أحمد بن علي القلقشندي

52

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وبواعث الدّعة ، وجمّل منصب حكمه بمن كمل بعلوم الدين فخره فإذا حكم غدت الأقضية لحكمه منفّذة وإذا قضى أضحت الأحكام لأقضيته متّبعة . نحمده على نعمه التي جعلت مهمّ الشّرع الشريف لدينا كالاستفهام الَّذي له صدر الكلام ، وبمثابة النّيّة المقدّمة حتّى على تكبيرة الإحرام ، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة أثبت الإخلاص حكمها ، وأحكم الإيمان علمها ، وأبقى اليقين على صفحات الوجوه والوجود وسمها المشرق واسمها ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الَّذي أخذ اللَّه ميثاق النّبيين في الإقرار بفضله ، وأرسله * ( بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّينِ كُلِّه ) * * ( 1 ) ، وخصّه بالكتاب الذي أخرس الأمم عن مجاراته فلو * ( اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه ) * ( 2 ) ، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين تمسكوا بسننه وسنّته ، وأوضحوا شرعه الشريف لمن تلقّاه بعدهم من أئمة أمته ، صلاة لا تزال بقاع الإيمان لأحكامها منبتة ، وأنواء الإيقان لأوامها مقلتة ( 3 ) ؛ وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنه لما كانت الأحكام الشرعية تتوقف على ملاحظة قضاء قضاتها في غالب الأمور ، وتستند إلى مراجعة أصول حكَّامها في أكثر مصالح الجمهور ، لم يكن بد من مراعاة أصولها الَّتي إنّما تنوب الفروع عنها ، وتدبّر أحوال أحكام حكَّامها الَّتي تنشأ أقضية النوّاب منها ؛ ولذلك لمّا أصبح منصب قضاء القضاة على مذهب الإمام « مالك بن أنس » رضي اللَّه عنه بالشّام المحروس لضعف مباشره الممتدّ ، في حكم الخالي ، وتعطل بعجزه المشتدّ ، مما ألف به قديما حال حكمه الحالي ، وتمادى ذلك إلى أن ترقّى الناس منه إلى درجة اليقين ، وتناهى الحكم فيه إلى أن يعين أن يرتاد من يتعين لمثله من الأئمّة المتّقين ، لئلا يخلو

--> ( 1 ) الفتح / 28 . ( 2 ) الإسراء / 88 : « قل لئن اجتمعت » . ( 3 ) أي مذهبة لعطشها . الأوام : العطش ؛ ومقلتة : مهلكة .